"الشعب يريد إسقاط النظام" كان يصوب هتافه قبالة عربة عسكرية تسمّرت عن الحراك ، كأنما تلقت صفعة ألجمتها حد الذهول ، وهو لم يتوانَ صوته عن الزئير ، ولم يُرَ بجرأة الأسد سوى اللحظة ..
حين ترى المكان باهت لا حركة ولا صوت فيها إلا هتاف يكمل عزفه المجنون كما يحب " الشعب يريد إسقاط النظام " ..
بطل من أبطال الثورة يظهر ويختفي ويهتف كيفما تسنح له لحظاته الثورية ...
عربة الجند تبدو ككوخٍ مهجور ، ولا أحد ..!
الثوري يوشك صوته من البُح يخونه ، الحلق يسخن وتحمى ضلوعه ، لاهبة أنفاسه ، رائحة الثورة تُضَوع في المكان ..
ثلاثة رصاصات صلية سوداء يطلقها مجند أسود لم يحفل بعد بعامه العشرين تخترق أحشاءً طاهرة ..
يُضمد الجرح بأصابع عرقة ليتفاجأ بلسعات رصاصات انصبّت عليه كالمطر في كل جسده ..
يسقط الثوري يحتضن التراب ، كأم حنون آثرت الموت بلا شوكة يُشاك بها وليدها ..
تنتفض عربة الجند تُثير الغبار تهرع كغزال جفل على وقع الخطى ، تمتلأ الأجواء بالغبار وتتعفر ...
رائحة الدماء تزهو في المكان بحذر ، تعبق وتثير فيّ عشقاً يبدأ بالتراب وينتهي إلى السماء ..
ما زلت أكره اللحظات الأخيرة ، حينما تُسترجع كل دقائق الحياة كما مسافة رصاصة بسرعتها الفائقة ..
صور مبعثرة في الأفق البعيد ، عرق بارد ، ارتجافة ................................. الآن يرتاح ..!
إذ لا مكان لإذلال بعد اليوم ولا قهر ..
صوت خطى حثيثة حوله بدأت ، تبدو الدنيا كغثيانٍ سريع ، يقبض على صدره ، يلملم صوره المبعثرة إلى مكانها ...
هدوء حذِر في المكان يبدو مفتعلاً ..!
مقطوعة من سمفونية ثورية لآخر نزعة تأسرني ، يبدو كطفل ملائكي صغير ، كروعته حين يغمض جفنه الزهري ، كالندى يناجي شفاهه الوردية ، كألق ظبية صغيرة ....
يهدئ هو الآن ، يشتد نزعه ، ويده أرقبها تقبض على الرمل المضمخ بالدماء ،
الآن لا صور في الأفق البعيد أراها أنا ولا حتى في الأفق القريب ، ترى إلى من ينظر فترتسم على محياه ابتسامة ترنو إلى الرضى !!
احتضنته أربت عليه كطفل نام حين غرة في حضن أمه ..
يموت الآن موتته الأخيرة ..
أقبض على قلبه لأحس نبضاته الآخذة بالتلاشي ، أسجي عيونه ، انتفض صارخاً لأجد أمي قد هرعت إليّ مسرعة "سمّت الله علي وأتت بشربة ماء " ..بدأت ملامح الغرفة تتضح شيئاً فشيئاً ، لأجد في منتصفها على شاشة التلفاز أن زحفاً هادراً من الثوريين قد لبى صارخاً " الشعب يريد إسقاط النظام " ....
إيقاع